السيد محمد تقي المدرسي

19

من هدى القرآن

بالاتجاه الذي يخدم مصالحه . « قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ » وهذه الخاتمة من الآية تعطي شرعية للعداء معهم بل ومقاتلتهم ، فما دام الله يقاتلهم يجب على المؤمنين الذين هم جنده أن يقاتلوهم أيضا . ومن قاتله الله فهو مهزوم لا ريب ، أما الإفك فهو الكذب والضلال ، ويؤفكون هنا يصرفون عن الحق إلى الباطل ، قال تعالى : « إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » [ الذاريات : 8 - 9 ] ، فإلى أين وأي حد يصرف المنافقون عن الحق ؟ ! وكأن في الآية إشارة إلى وجهة تضللهم كالشيطان والزعامات المنحرفة التي يسيرون تحت لوائها ، ويصنعون من أنفسهم عملاء أجراء لمصالحها . وهذه نتيجة طبيعية ، لأن المنافق لا يفقه شيئا بتعطيل ضميره وعقله ، فليس ثمة مقياس يميز به الحق عن الباطل ، ولا حد يقف عنده سوى المصالح والأهواء التي لا تعرف لها نهاية . وقال المفسرون في معنى : « قَاتَلَهُمْ اللَّهُ » أنه لعنة أي أبعدهم الله . [ 5 - 6 ] ويبين القرآن صورة أخرى من حالات المنافقين ومواقفهم فيما يتصل بالقيادة الرسالية ، وهي رفضهم الاعتراف بشرعيتها ، وبالتالي الصد عنها والاستكبار عليها . إنهم مستعدون للتظاهر بكثير من الشعائر الدينية كالصلاة والصيام والحج لأنها لا تكلفهم مسؤولية كبيرة ، أما أن يخضعوا للقيادة الشرعية فذلك أمر لا تطيقه نفوسهم . ومن هذا المنطلق أصبحت الطاعة للقيادة الرسالية مقياس الإيمان ، كما قال تعالى : « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » [ النساء : 65 ] . « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ » باعتباره ( كما القيادات التي تمثل امتداداً له ) بابا من أبواب رحمة الله . « لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ » ماذا تعني تلوية الرأس ؟ إما باعتبارها علامة للرفض ، وإما لأنه العضو الذي حدد به الإنسان وجهته ، فهم يصرفون وجهتهم خلاف تلك الدعوة . وبوضع هذه الآية إلى جنب الآية الأولى التي تحدثنا عن تكلفهم في إظهار الإيمان بالرسول القائد نهتدي إلى أنهم يعاشرون القيادة بوجهين : الأول : وجه الإيمان والصلاح الذي يظهرونه في حضرة الرسول صلى الله عليه وآله . الثاني : وجه الصد والتكبر الذي يعيشون به في المجتمع ضدها . أو أن تكون الآية الأولى تحكي ظاهرهم ، والرابعة تحكي واقعهم وحقيقتهم ثم إن صدق